شروط إصدار قانون جديد للمعلومات
بقلم‏:‏ مكرم محمد أحمد

 
مامن مثال يمكن أن يكشف عمق الفارق بين مجتمع يحترم تدفق المعلومات‏,‏ ويدرك أهمية إتاحتها لمواطنيه وقدرة تأثيرها علي تصحيح معارفهم وسلوكهم وتحقيق أهداف هذا المجتمع قدر الفارق الضخم بين آثار نكسة‏67‏ وانتصار حرب‏73,‏ لأنه في حرب‏73‏ أدرك القائمون علي تخطيط الحرب أن احتجاز المعرفة والمعلومات عن أوضاع العدو علي جبهة القتال في نطاق أنساق القيادة العليا لا يخدم أهداف الحرب ولا يساعد علي نجاح خطة العبور ولا يمكن الجندي المقاتل من إنجاز واجباته القتالية عند الخطوط الأمامية‏,‏ لأن تخطي حاجز القناة والحائط الترابي الضخم وكل العوائق الأخري وصولا إلي الشاطيء الآخر علي أرض سيناء يقتضي انسياب المعلومات عن أوضاع العدو علي الجبهة وتدفقها من انساق القيادة العليا إلي المقاتلين كما يتطلب تدريبهم علي عملية العبور من خلال نماذج حقيقية تماثل أوضاع الجبهة وتحاكيها ضمانا لنجاح عملية العبور والتغلب علي مصاعبها‏.‏

ولهذا السبب وحده‏,‏ نجح المقاتلون في تحقيق مفاجأة استراتيجية وتكتيكية وتمكنوا من عبور القناة وإقامة رؤوس الجسور علي الشاطيء الآخر فوق أرض سيناء بأقل الخسائر الممكنة رغم التقديرات العسكرية التي كانت تؤكد أن حجم الخسائر البشرية في عملية العبور سوف يكون مرتفعا وباهظ الكلفة‏,‏ لكن توفير المعلومات وانسيابها عبر مستويات القيادات وصولا إلي الجندي المقاتل في الخطوط الأمامية كان أحد العناصر المهمة والرئيسية التي مكنت القوات المصرية من تحقيق هذا النصر المدهش‏,‏ وصنعت هذا الفارق الضخم بين نكسة‏67‏ وانتصار‏73.‏

وفي عصر المعارف والعولمة وتكنولوجيا المعلومات الذي حول العالم إلي قرية صغيرة متشابكة انهارت فيه حواجز الجغرافيا‏,‏ أصبح تفوق الأمم معلقا علي قدرتها علي ربط العملية الإنتاجية بمعارف عملية تفوق في أهميتها رأس المال‏,‏ لأنها تقلل الكلفة وتحقق الجودة وتزيد الانتاجية‏,‏ وبات وصول المعلومات إلي المواطن وسرعة تداولها دون عوائق شرطا أساسيا لإنجاز التقدم‏,‏ وعنصرا مهما لتحقيق الشفافية والديمقراطية‏,‏ لأن الإفصاح عن المعلومات يعني ضمان صحة القرار وسلامته‏,‏ ويعني تعزيز عوامل الثقة داخل المجتمع وإقامة الحكم الرشيد ويعني توفير عناصر المساءلة والمحاسبة‏,‏ ويعني قبل ذلك كله تحقيق ركن أساسي من أركان حرية التعبير التي هي أصل جميع الحريات‏.‏

ومنذ عام‏1949‏ أصبحت حرية تداول المعلومات حقا أساسيا من حقوق الإنسان‏,‏ وأصبح السماح للمواطن بالنفاذ إلي معلومات الدولة جزءا من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان‏1949‏ وجزءا من العهد الدولي الخاص بحقوقه السياسة والمدنية عام‏1961,‏ وجزءا لا يتجزأ من حرية التعبير وشرطا من الشروط الضرورية التي فرضتها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد‏2003,‏ لأنه في غيبة احترام حق الإنسان في المعرفة والمعلومات تضعف أجهزة الرقابة وتغيب قواعد العمل الصحيح وتنهار مدونات السلوك في عمل موظفي الدولة التي تضمن نزاهة التصرف وتكافؤ الفرص‏,‏ ويضعف دور مؤسسات المجتمع المدني بما في ذلك المجالس الشعبية والمحلية في الرقابة علي الأداء الحكومي‏..‏

ولهذه الأسباب تجتهد معظم الدول الآن في إنجاز قوانين للمعلومات تتوافر علي تنفيذ هذا الحق الإنساني حرصا علي مصالح المجتمع وتقدمه‏,‏ وفي العالم الآن‏50‏ دولة بينها‏11‏ دولة إفريقية أنجزت قوانين للمعلومات تتيح لمواطنيها النفاذ إلي المعلومات المتاحة داخل الأجهزة الحكومية عدا مايتعلق منها بسرائر الأشخاص وأسرار التجارة والعلاقات الدولية وملفات الأمن القومي وكل مايمكن أن يضر بمصالح أي مواطن أو يعرض حياته للخطر‏
.‏
ولكي تكون هذه القوانين فاعلة وحقيقية لاتهدف فقط لمجرد الاستيفاء الشكلي حرصا علي استكمال الصورة وتحقق بالفعل التطبيق الأمين لهذا الحق الإنساني حرصت معظم الدول قبل إصدار قوانين جديدة للمعلومات علي إصلاح البنية الأساسية لنظم المعلومات القائمة وقوانينها من خلال إعادة تفسير وتوضيح مفهوم الأمن المعلوماتي بما يضمن أن يكون الإفصاح والإتاحة هما الاصل وأن يكون السرية والمنع هما الاستثناء كما حرصت هذه الدول علي إعادة النظر في تصنيف معلوماتها بما يقلل من نطاق السرية‏,‏ لأنه وسط هذا الحجم الهائل من المعلومات المتداولة علي شبكات المعلومات الدولية والمحلية اختزلت الأسرار في نطاق جد محدود وأعيد تصنيف المعلومات بما يجعل الاتاحة حقا أساسيا كما ألزمت هذه الدول كل أجهزة المعلومات لديها بأن تنشر علي نحو دوري منتظم وبصورة طوعية كل المعلومات الموجودة لديها عدا مايتعلق بملفات الأمن والجيش والمخابرات إلا أن يكون الأمر متعلقا بجرائم فساد أو خرق لحقوق الإنسان‏,‏

كما التزمت هذه الدول بتنظيم نشر وثائقها السرية وإتاحة فرص الاطلاع عليها بعد مرور عدد من السنوات كي يتمكن الدارسون من الاستفادة من هذه الوثائق في تدوين التاريخ الصحيح للأحداث‏,‏ كما حرصت الدول والمجتمعات التي أخذت بمبدأ إباحة المعلومات علي تشكيل أجهزة ولجان قضائية محايدة تتقصي أسباب الكوارث والهزائم والمحن وتحقق في وقائعها بشفافية كاملة‏,‏ وتعلن نتائجها علي الملأ في إطار الالتزام بواجب المساءلة حرصا علي معرفة الأسباب الحقيقية وراء هذه المحن والمتسببين الحقيقيين في وقوعها‏..‏

ومع الأسف لاتزال أسباب نكسة‏67‏ بين الأسرار المغلقة التي تم حبسها داخل صناديق مغلقة برغم مرور أكثر من‏40‏ عاما علي حدوثها‏,‏ علي حين نري علي الجانب الآخر‏,‏ ماذا فعلت إسرائيل عقب حرب‏73‏ التي كان لها وقع الزلزال عندما شكلت لجنة تحقيق قضائية محايدة يرأسها القاضي أجراناد تتقصي أسباب نجاح القوات المصرية في تحقيق مفاجأة تكتيكية واستراتيجية في حرب‏73‏ هدمت نظرية الأمن الاسرائيلي وكسرت أسطورة الجيش الذي لايقهر‏,‏ وماذا فعلت إسرائيل بعد فشل عدوانها علي لبنان عام‏2006‏ عندما شكلت لجنة القاضي فينوجراد التي أدانت قرارات رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير الدفاع ورئيس أركان الجيش في الهرولة إلي الحرب دون استعدادات كافية ودون معرفة كاملة بطبيعة التحصينات التي أقامها مقاتلو حزب الله في قري الجنوب اللبناني‏.‏

وفي مصر لا يستقيم صدور قانون جديد للمعلومات مع بقاء لوائح العقوبات التي تفرض الجزاءات علي الموظفين لاتصالهم بالصحافة أو لأنهم أتاحوا للنشر معلومات تتعلق بقضايا الفساد‏,‏ كما لايستقيم صدور مثل هذا القانون مع ترسانة القوانين العقوبية التي لاتزال تشكل قيدا علي حرية التعبير والنشر ومع غياب حق المجالس الشعبية وقصور صلاحياتها في محاسبة ومساءلة المسئولين عن أجهزة الحكم المحلي‏,‏ بينما يعرف الجميع أن الفساد في المحليات جاوز الركب‏,‏ ومع غياب التوازن بين الدور الرقابي والدور التشريعي لمجلس الشعب‏,‏ ومع بقاء هذا الإرث الضخم للدولة التسلطية التي يعتبر فيها جهاز الخدمة المدنية نفسه سيدا علي الشعب وليس خادما له‏,‏ ومع غياب وجود أجهزة محايدة تضع معايير التقويم الصحيح لحسن الأداء وصحة البيانات وشفافية العمل التنفيذي‏.‏

تلك جميعا تمثل ضرورات أساسية تلزم القائمين علي إنشاء قانون جديد للمعلومات ضرورة مراجعة أسباب بقاء هذه البيئة المجافية لحق الإفصاح‏,‏ لأن الأمر في جوهره ليس مجرد إصدار قانون أبكم أخرس في بيئة غير حاضنة‏,‏ فما أكثر نصوص القوانين والدساتير التي تعبر بنودها عن أحلام كبيرة لكنها مجرد حبر علي ورق‏,‏ لأنها غير قابلة للتحقيق في بيئة غير حاضنة‏:‏ أو لأنها مركونة علي الرف تستخدم فقط عند اللزوم‏!..‏ كما لا يستقيم صدور قانون جديد للمعلومات في غيبة المستفيدين الأول من هذه القانون وأولهم الصحفيون الذين يتعاملون مع المعلومات ويتسابقون للحصول عليها‏,‏ ويحاكمون بسببها وربما تصدر ضدهم احكام بالحبس والغرامة بدعوي انهم أساءوا استخدامها‏,‏ ثم جمهور المستهلكين أضعف حلقات الاقتصاد الوطني لافتقارهم إلي حماية حقوقهم في مواجهة جشع التجار وسيطرة الاحتكار وشيوع الغش التجاري وغلبة أساليب العبث بقوانين السوق وتعطيل آليات المنافسة التي تشكل العنصر الرئيسي في توازن الأسواق‏..‏ ومامن شيء يكبح كل هذه المفاسد أكثر من إتاحة المعلومات الصحيحة بشفافية كاملة حول مدي سلامة واتقان السلع التي يستخدمها المستهلكون‏..

‏ وأظن أن الجميع لايزال يذكر حملة الإرهاب والتخويف التي مارستها بعض شركات المياه المعبأة ضد الرأي العام لإبطال حق إحدي جمعيات المستهلكين في كشف الفساد والغش في صناعة بعض أنواع المياه‏,‏ بدعوي أن النشر يهدد الاستثمار ويحيق الضرر بسمعة الصناعة المصرية برغم أن الحقيقة عكس ذلك تماما‏!‏

وفي كل العالم يشكل نشر المعلومات الصحيحة عن فساد السلع الرادع الحقيقي لشيوع الغش والاحتكار والفساد‏.‏

وبرغم أن أيا من القائمين علي أمر القانون الجديد للمعلومات لم يكلف خاطره حتي الآن‏,‏ أن يسأل الصحفيين المصريين الذين هم أول المعنيين بقانون المعلومات علي نحو مؤسسي ومن خلال نقابتهم عن رؤاهم وتصوراتهم لطبيعة هذا القانون وشروط نجاحه‏,‏ يكاد يجمع الصحفيون المصريون علي ضرورة أن تكون الوجهة الأساسية للقانون هي الإفصاح ويكون المنع هو الاستثناء لأسباب واضحة ومحددة لا تتخفي وراء عبارات مطاطة مثل المنديل الذي يمكن أن يستوعب الفيل‏,‏ ويفضل الصحفيون يقينا أن يكون النص المتعلق بالمنع واضحا محددا ومباشرا لايجيز اتاحة المعلومات المتعلقة بأجهزة المخابرات والجيش والعلاقات الدولية السرية إلا بتصريح بدلا من العبارات المطاطة مثل المصلحة العليا والأمن الوطني‏,‏ وربما تكون صيغة القانون الهندي للمعلومات في هذا المجال هي أفضل الصيغ لدولة مثل مصر‏.‏

كما ينبغي للقانون الجديد أن يلزم المسئولين عن إتاحة المعلومات بالرد علي طلب المعلومات خلال فترة زمنية وجيزة أقصاها ثلاثة أسابيع أو أسبوعان‏,‏ وأن يكون الحصول علي المعلومات برسم التكلفة الحقيقية مع إلزام الجهة المعنية ببيان أسباب المنع كتابة وعرضا علي سلطة أعلي‏,‏ وإتاحة حق اللجوء إلي القضاء المستعجل لطالبي المعلومات إذا وجدوا في قرارات الرفض شبهة تعسف أو إخفاء متعمد‏,‏ كما ينبغي للقانون الجديد أن يتضمن آلية عقاب لمن لايحترمون بنوده‏.‏

وفي جميع الأحوال ينبغي أن يناط تنفيذ بنود القانون إلي جهاز إشراف بسيط غير معقد‏,‏ لأنه في معظم قوانين المعلومات في العالم يوكل الإشراف علي تنفيذ القانون لمفوض يشرف علي إتاحة المعلومات علي المستوي المركزي يتبعه مفوضون علي المستوي المحلي مع تجنب إقامة جهاز بيروقراطي حكومي ضخم لا يدع فرصة لمشاركة المستفيدين من المعلومات والمستهلكين لها كما هو الحال في كل العالم‏.‏

ولست أعرف في النهاية ماهي الحكمة من أن نخلط في مشروع القانون الجديد بين تداول المعلومات وتداول الاحصاءات في وجود جهاز مركزي للإحصاء تحكمه قوانين واضحة تلزمه بنشر كل مالديه عدا مايتعلق بسرائر الناس‏,‏ يرتبط علي المستوي العالمي بأجهزة مماثلة تلزمه معايير عالمية واحدة في نظم الإحصاء‏,‏ تشرف عليها هيئات دولية محايدة تراجع دراساته وابحاثه لقياس معدلات التضخم والبطالة وحجم الاستثمار وأوزان السلع وأسعارها‏..‏ وقد يهييء الفصل بين المعلومات والإحصاء في القانون الجديد فرصة جيدة لتقليل حجم الجهاز البيروقراطي المقترح للإشراف علي تنفيذ القانون‏,‏ لأن أكثر الآليات شيوعا ونضجا ونفعا هي أبسطها وأكثرها وضوحا‏.‏
 

العودة للرئيسية